نبذة تاريخية عن الجواد العربي

الخيول هي أهم الحيوانات وأشدها أثراً في تاريخ البشرية. والجياد العربية هي خير تلك الخيول. والوقوف على خيريتها، لا يتأتَّى إلا بالاطلاع على تاريخ آلاف السنين وحضاراتها الشامخة. ما زالت أصول الجواد العربي غامضة.

بيد أن معظم العلماء، يعتقدون أن منشئه هو منطقة الهلال الخصيب، وأنه وصل إلى شبه الجزيرة العربية في وقت متأخر نسبياً. وتناقض ذلك الاعتقاد الأسطورة والتقاليد، التي تزعم أن الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية هو الموطن الأصلي لذلك الجواد.

 فالرسوم والنقوش على صخور المنطقة المزعومة تصور، على الرغم من صعوبة تحديد تاريخها بدقة، خيولاً عربية الملامح. أيّاً كان تاريخ وفود الجواد إلى شبه الجزيرة العربية، فإنها قد احتضنته، بل طورته في بيئتها الصحراوية القاسية ، حيث تعرض لعمليات التكيف الجسماني، بما في ذلك الجِلد الحساس، والعينان السوداوان، والمنخران الواسعان، وسعة الرئة الكبيرة، والعظام ذات الكثافة العالية، والذيل المزهو بتقوس نحو الأعلى.

زِد على ذلك إشراف البدو عليه؛ وهم غِلاظ، خُشُن. ولعلهم هم أعظم القائمين على تربية سلالات الجياد العربية، على مر العصور، إذ احتضنوا خيولهم، التي ترافقهم أينما حلوا، بشغف لا مثيل له في التاريخ البشري.

لم تستطع الجِمَال، على مواءمتها لطبيعة الصحراء مواءمة مذهلة وصبرها على الأسفار الطويلة عبرها؛ إضافة إلى الانتفاع بألبانها ولحومها وجلودها، لم تستطع منافسة الجياد العربية؛ لأنها كانت غير عملية في الحروب والغارات المفاجئة، التي اشتهر بها البدو. ناهيك بأن ركوب الجواد العربي ، كان مطمعاً شريفاً.

الإخلاص والوفاء، بادلهما الجواد العربي برعاية البدو وعنايتهم به. وسرعان ما أصبحا عنوانه. أمّا هم، فحرصوا على أصالته؛ تشبثاً بخصيصتَيه الآنفتَين، فقصروا اهتمامهم على تربية الجياد الأصيلة فقط. وتوارثت أنسابها أجيالُهم.

وعُرفوا بإيثارهم إناثها على ذكورها؛ حتى إنهم نسبوا خيولهم النفيسة إلى أمهاتها، وهو ما زال سارياً حتى اليوم. ولقد خَلَّدَ العرب جوادهم في شعرهم الجاهلي. وما لبث اسمه أن اقترن بالإسلام. وحث رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ على حبِّ الخيل وتكريمها. وأسهمت الجياد في انتشار الإسلام، خارج شبه الجزيرة العربية، حيث كان النصر حليف صهواتها، من الصين إلى النمسا. 

أمعن العرب في تكريم جيادهم. فرأى شاعرهم، في العصر العباسي، أبوالطيب المتنبي، أن "أعز مكان في الدُّنى سرج سابح". وفصلت رسالة، في العصر نفسه، الرعاية بالجياد وكيفية تدريبها. وفي عصر صلاح الدين الأيوبي، مؤسس الدولة الأيوبية، الذي دافع بشجاعة عن المنطقة دون الصليبيين، واجهت جيوش الغرب الجياد العربية الأصيلة؛ فأدرك الأوروبيون قيمتها في تحسين أنسال سلالاتهم الوطنية. وفي القرون التالية، بادروا إلى الرحلات في الصحراء؛ بحثاً عن الجياد الأصيلة.

أمّا المماليك، في مصر، فقد أوغلوا في تزيين جيادهم العربية بزينة، لم ينافسها سوى جمال تلك الجياد نفسها؛ حتى إن نابليون بونابرت، أُعجب إعجاباً شديداً بفرسانهم، فزين جواده العربي بزينة خيولهم. كما حفلت الآداب والفنون بتكريم الجواد العربي. وعُني العديد من الرسائل بمفهوم "الفروسية"، الذي أمسى فناً من فنون ذلك العصر.

غير أن الحضن الأمثل لأفضل سلالات الخيول العربية الأصيلة، كان في صحراء شبه الجزيرة العربية، ولاسيما محافظة الدرعية، الدافلة في نخيلها، في منطقة نجد، والتي غدت عاصمة لأطول حكم، في تلك الصحراء، حكم أسرة آل سعود. وخلال القرن السابع عشر، جمع آل سعود صفوة الجياد العربية؛ وهو ما أكده دابليو. جي. بالجراف، أول دخيل يزور إسطبلات سموّ الأمير فيصل بن تركي آل سعود، حيث يقول: إن جياد نَجْد كنز لا يقدر بثمن. "لم أر، في حياتي، ولم أكن لأتخيل وجود تلك المجموعة البديعة ... فقد برهن لي مظهرها على السمعة العريضة التي تتمتع بها، والمنزلة العظيمة التي تحتلها، والأشعار التي قرضت فيها".

ومنذ أواسط القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، سعت العائلات الملكية، في أوروبا وبولندا وأسبانيا وألمانيا، لاستيلاد جياد عربية أصيلة. فدأبت على إرسال مبعوثين إلى الصحراء العربية والشرق الأدنى، لاستقدام دماء جديدة. لا، بل إن البريطانيَّين: ويلفريد وآن بلانت، مالكي جياد الاستيلاد، في منزلهما المعروف باسم: "كرابيه"، في إنجلترا ـ سافرا إلى المنطقة العربية، في منتصف القرن السابع عشر؛ لتخيُّر إناث الخيول وفحولها، ولاسيما تلك المتحدرة من جواد الخديوي المصري، عباس باشا؛ وهو جواد آية في الجمال، مرغوب في فِحْلَتِه.

كما أن الرئيس الأمريكي، يوليسيس إس جرانت، هو أول من استورد الجياد العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حققت هذه السلالة شهرة مذهلة. وأسفر عن ذلك كله ازدياد شهرة السلالة العربية، التي استلهمها كثير من الفنانين في أعمالهم الفنية.

والطمع في الجياد العربية الأصيلة، في عصرنا الحالي، تمخض بانتشارها في شتى أرجاء العالم، حيث تحتل مكانة مرموقة، لا لجمالها المعجز فحسب، وإنما لنزوعها كذلك إلى البشر، وطلاقة حركتها، واصطبارها على السباقات الشاقة. ولولا البدو القائمون على تربيتها، منذ قرون سحيقة، لما تأتت لها تلك الخواص؛ أكبروها فأخلصت.

وتعتني المملكة العربية السعودية، وشتَّى أرجاء الخليج العربي والشرق الأدنى، عناية شديدة بالحفاظ على الإرث الثقافي، المتمثل في الجواد العربي. فقد اصطُفيَت جياد من أفضل السلالات العالمية؛ إضافة إلى تلك الحاصلة على أفضل المراكز، في العروض والسباقات العالمية.

ولئن سلبت الابتكارات الحديثة الجواد العربي إسهامه في النشاط البشري، فإن البشر ما برحوا يدينون بخالص الشكر ووافر العرفان لذلك الحيوان، الذي شاركهم في تحقيق حضاراتهم. .